محمد بن عمر التونسي

192

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فجاء إلى طعام صنعته إياكرى كنانة ، وكشف عنه فأعجبه ، فأمر به للعلماء ، فأبت عليه وقالت : أأنا عندك بهذه المنزلة ، تعطى طعامي للمشايخ ، وطعام غيرى للوزراء والملوك ؟ فقال : إنما أمرت به للمشايخ لحسنه ، ولتحصل لك بركتهم . فقالت : دع طعامي تأكله الوزراء والملوك ، ولا حاجة لي ببركتهم . فقال : لا يأكله غير العلماء . فقالت : لا وحياتك لا تأكله العلماء ، وغلبت عليه حتى أرسله للملوك ، واختار من طعام غيرها للعلماء . وطائفة الموحيه من أفقر أهل دارفور ، لأنهم ليس لهم حرفة إلا السؤال ، فإنهم دائما يقصدون الأمراء ، ويتكفّفون الناس . وتخاف الأمراء منهم ويكرمونهم ، لأنهم لا يكتمون حديثا ، إن أحسن إليهم أحد أثنوا عليه ، وأشاعوا الذكر بكرمه ، وإن أحرمهم « 1 » أحد ذمّوه وأشاعوا ذمّه . فهم في ذلك كالشّعراء ، من أعطاهم مدحوه ، ومن منعهم هجوه . ومن مناصب الفور : منصب إياكرى « 2 » ، وقد أسلفنا ذكره . ومنصب الحبّوبات ، وقد ذكرناه أيضا . وإن كان للسلطان المتولّى أمّ فلها منصب ، وإن كان [ له ] جدّة فلها منصب أيضا . لكن المنصبان ليسا مقرّرين ، بل يطرآن عند وجودهما . ولقد رأيت أمّ السلطان محمد فضل ، وهي جارية وخشا ، لو بيعت في دارفور لما كانت تساوى عشرة من الفرانسا ، ورأيت جدّته ، وهي عجوز وخشا من أقبح ما يرى في عجائز السّودان ، وكانت ناقصة العقل .

--> ( 1 ) كذا ، بدل : حرمهم . ( 2 ) راجع ص 93 ، حاشية 1 .